فيما ترفع إسرائيل منذ أيام وتيرة التصعيد العسكري جنوب لبنان، وتعجز الوساطات الإقليمية والدولية حتى الآن عن وضع حدّ لخروقاتها المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، خرج لبنان بشخص الرئيس جوزاف عون ليطلق مرّة أخرى ما يشبه "المبادرة" التي يحاول من خلالها تجنيب البلاد حربًا جديدة تبدو تل أبيب كمن يستدرج "حزب الله" إليها، وذلك بإعلانه استعداد لبنان للتفاوض، بوصفه "خيارًا وطنيًا لبنانيًا جامعًا"، وفق تعبيره.
ومع أنّها ليست المرّة الأولى التي يطرح فيها عون خيار التفاوض مع إسرائيل في سبيل حلّ النقاط العالقة التي تعيق الوصول إلى تهدئة حقيقية، فإنّ كلامه هذه المرّة أخذ منحى أكثر جدّية، ولا سيما أنّه جاء على وقع التهديدات الإسرائيلية المتزايدة بما يسمّيه الإعلام العبري "المعركة الأخيرة"، ليتحوّل معه النقاش الداخلي من سؤال "هل نتفاوض؟"، إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "مع من نتفاوض، وعلى ماذا، وتحت أيّ سقف؟".
وفي وقتٍ اتجهت الأنظار نحو موقف "حزب الله" من المبادرة الرئاسية، ولا سيما أنّه يتمسّك بضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار أوّلًا قبل البحث بأيّ أمور أخرى أو نقاش أيّ تفاهمات جديدة، بقيت المبادرة، وفق المؤشرات الأولية، من دون أصداء تُذكر في كلّ من تل أبيب وواشنطن؛ فالأولى لم تعلّق عليها وواصلت تصعيدها كأنّ شيئًا لم يكن، وسط انطباع بأنّها ترفع سقفها قبل أي مفاوضات محتملة، ليكون نزع السلاح مدخلاً لأيّ حوار.
وإذا كان رهان الرئيس عون وغيره على الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل للخوض في المسار الدبلوماسي، فإنّ "اللهجة المتشددة" التي يعتمدها المبعوث الأميركي توم براك لا توحي بذلك، وهو ما تجلّى في آخر تصريحاته التي انتقل فيها من محاولة لعب دور الوسيط الذي يتحدّث عن "فرصة لتسوية" إلى خطاب حاد يصف لبنان بأنه "دولة فاشلة". فهل يعني ذلك أنّ واشنطن غير جاهزة لتلقّف هذه المبادرة، وربما تتخلّى عن لبنان؟.
في حسابات الرئاسة أولاً، الأكيد أنّ التفاوض ليس قفزة في المجهول، فرئيس الجمهورية لا ينطلق من العدم، وإنما يستند إلى "سابقة" ترسيم الحدود البحرية عام 2022، حين أفضت مفاوضات غير مباشرة، برعاية واشنطن، إلى اتفاق رسّخ حقوق لبنان في جزء من حقوله الغازية، ومرّ يومها تحت سقف "لا تطبيع، بل تسوية تقنية"، حتى إنّه اعتُبِر "إنجازًا للبنان" وصفه كثيرون، بمن فيهم "حزب الله" نفسه، بـ"الانتصار".
واليوم، يحاول الرئيس عون إسقاط المنطق نفسه على الجبهة البرّية والحدود الجنوبية، لوضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ومنعًا لعودة "كابوس" حرب الاستنزاف التي لا يتحمّل اللبنانيون جولة ثانية منها. ومن هنا، يقدّم عون التفاوض كـ"خيار وطني" لإنهاء الاحتلال وتثبيت القرار 1701، لا كخيار تطبيعي أو سياسي صرف، ويحرص في خطاباته على التشديد على أنّ الأمر يحتاج إلى "إرادة متبادلة"، وأنّ شكل التفاوض وزمانه ومكانه يُحَدَّد لاحقًا.
سياسيًا، تشير المعطيات إلى أن عون حاول مسبقًا تحصين مبادرته داخليًا، أو على الأقل تخفيف وطأة الاعتراض عليها، حيث تتحدّث بعض الأوساط السياسية عن تنسيق حصل مع "الثنائي الشيعي"، وعن موافقة مبدئية على توسيع لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) لتضمّ مدنيين وخبراء تقنيين، بحيث تتولى التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، من دون كسر "التابو" العقائدي الذي يرفعه "حزب الله" ضد أي تفاوض مباشر.
بهذا المعنى، يحاول عون أن يقدّم الدولة لا الحزب كـ"واجهة" المسار التفاوضي، مستعيدًا نموذج المفاوضات البحرية، حيث جلس الوفد اللبناني العسكري - التقني في الناقورة تحت مظلّة الأمم المتحدة والوسيط الأميركي، فيما حُفِظت للحزب مساحة خطابية تقول إنه ليس طرفًا في التفاوض نفسه. لكن، هل يوافق "حزب الله" على ذلك فعلاً، وهو الذي يصرّ على أنّ المطلوب قبل كلّ شيء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار كاملاً؟.
حتى الآن، يتجنّب الحزب إعلان موقف حاسم من المبادرة الرئاسية، لا لناحية التأييد ولا الرفض، حتى إنّ هناك من يصف مقاربته بـ"الغموض البنّاء"، وهو ما يفسّر تفاوت وجهات النظر بشأن تموضعه، ولو أنّ الرأي الغالب يبقى أنّ الحزب "لا يعارض" توسيع لجنة الميكانيزم لتضمّ مدنيين، ويرى أنّها صيغة يمكن أن توفّر غطاءً رسميًا لبنانيًا للتفاوض غير المباشر، من دون أن يُسجَّل عليه أنه وافق علنًا على مثل هذه الخطوة.
ويقول المطّلعون على موقف الحزب إنّ الأخير يدرك أن استمرار الاشتباك على الوتيرة نفسها قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع ليست في مصلحته عسكريًا ولا شعبيًا، لكنّ ذلك لا يعني، وفق هؤلاء، أنّ الحزب مستعدّ لتقديم "هدية مجانية"، ولذلك فهو يصرّ على أنّ أي مسار تفاوضي يجب أن يضمن وقفًا للنار، وانسحابًا إسرائيليًا من النقاط العالقة، ومعالجة ملف الأسرى، في مقابل نقاش داخلي لبناني، لا خارجي، حول مستقبل السلاح ودور المقاومة.
على الضفة المقابلة، تبدو تل أبيب في موقع من يرفض إعطاء أي إشارة إيجابية قبل أن تتّضح "فاتورة" التسوية، أو ربما "تنضج" معطياتها وظروفها. ولعلّ هذا ما يفسّر عدم صدور أيّ تعليق إسرائيلي رسمي عليها، في وقت تتصاعد فيه الهجمات والاغتيالات والرسائل النارية على الجبهة اللبنانية، بما يوحي أن إسرائيل تستخدم التصعيد الميداني أداة لتحسين شروط أي تفاوض محتمل، وليس لإغلاق بابه نهائيًا.
في هذا السياق، تتزايد التسريبات عن أن مطلب نزع سلاح "حزب الله" بات المدخل شبه الإلزامي، من وجهة النظر الإسرائيلية، لأي حوار جدّي. وبهذا المعنى، تُفهَم تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، التي توصَف بـ"المتشدّدة والمتطرّفة"، وهو الذي حذّر علنًا من أنّ إسرائيل قد تتحرّك عسكريًا لنزع سلاح الحزب إذا فشلت الدولة اللبنانية في القيام بهذه المهمة، قبل أن يقول إنّ بلاده ستقف إلى جانبها في حال اختارت أن تمضي في التصعيد.
وعلى الرغم من أنّ بعض التقارير أشارت إلى أن الإدارة الأميركية طلبت فعليًا من إسرائيل تجنّب توسيع عملياتها في لبنان حتى أواخر الشهر الجاري، في انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات والمسارات التفاوضية الجارية، يقول العارفون إنّ واشنطن ليست راضية عن أداء الحكومة اللبنانية، أو على الأقل "مستاءة" من المماطلة الحاصلة، خصوصًا في ملف السلاح، وهذا تحديدًا ما يحاول براك إيصاله برسائله القاسية المناقضة لما كان يكرّره خلال زياراته إلى بيروت.
في ضوء ذلك، تبدو مبادرة عون حتى الآن بلا صدى كافٍ في واشنطن وتل أبيب، ما يجعلها أقرب إلى "نافذة اختبار" صغيرة، إن جاز التعبير. فإذا نجح لبنان الرسمي في توحيد موقفه، وترجمة خيار التفاوض إلى آلية واضحة بضمانات واقعية، قد تتحوّل هذه النافذة إلى مسار تفاوضي فعلي يقلّص احتمالات الحرب الشاملة. أمّا إذا استمر التعطيل الداخلي، وبقيت المبادرة مجرّد عنوان إعلامي من دون قرارات تنفيذية، فستتحول سريعًا، في نظر العواصم المعنية، إلى دليل إضافي على عجز الدولة، وربما إلى ذريعة جديدة لتصعيد الضغوط، سياسيًا وعسكريًا، على بلد يستنزف ما تبقّى من هوامش اللعب على حافة الهاوية.
























































